بيئة

تقنية الاستمطار.. لا تتعارض مع التوكل على الله ولكنها تحري للأسباب الجالبة لتحقيق الهدف

الاستمطار ظهر في فرنسا وسويسرا أوائل القرن الماضي.. وتمكنت نيوزيلندا لأول مرة من إثارة المطر صناعياً 1931م
أجريت تجربة الاستمطار لأول مرة في المملكة العربية السعودية عام 1988م في منطقة عسير

شاع مصطلح الاستمطار إعلامياً واجتماعياً في الأوساط السعودية عام 1426هـ – 2006م إبان البدء بالتجربة السعودية الأولى على المنطقة الوسطى، وبدأ الناس يتداولون هذا المصطلح الجديد في منتدياتهم التقليدية والإلكترونية، وجاءت مواقف الناس من تقنية الاستمطار متباينة ما بين قبول ورفض.. ويعتمد الموقف ثم الحكم بالدرجة الأولى على مفهومهم لآلية الاستمطار العلمية، وفي الوقت نفسه أنكر البعض (من غير العلماء) حقيقة تقنية الاستمطار متكئين بزعمهم على قواعد شرعية فحرموا العمل و جرموا الفعل (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ولكن (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
لذا يأتي هذا التقرير عن تقنية الاستمطار علّه أن يكون لقارئه إضاءة ولسامعه منارة، وهي محاولة لتقديم القصة بقالب علمي وإطار منهجي وليتمكن القارئ الكريم من إصدار الحكم الشرعي والقرار الاجتماعي والعلمي كما الاقتصادي أيضاً تجاه تقنية جديدة هي الاستمطار.

الاستمطار أم الاستغفار؟
لا تعارض بين عبادة التوكل وبين العمل فتقنية الاستمطار ـ في حال نجاحها ـ هي سبب كغيرها من الأسباب قد تنجح وقد تفشل كما يفعل الطبيب والمزارع والمهندس وغيرهم من تحري وفعل الأسباب الجالبة لتحقيق الهدف، وكما أن الخالق يأمرنا بالتوكل عليه يأمرنا أيضاً بفعل الأسباب، فلا يكفي أن نستسقي دونما حرث وبذر للأرض وإعدادها لاستقبال القطر والمطر لإنبات الزهر، قال عمر رضي الله عنه لجماعة من الأعراب كانوا إذا مرضت إبلهم سألوا عجوزاً الدعاء: “اجعلوا مع دعاء العجوز شيئاً من القطران”، والإنسان في هذا العصر أتاح له الخالق عز وجل استحلاب السحاب ومضاعفة المطر بإذن الله تعالى عبر تقنية أثبتت بعض التجارب أنها ناجحة (نسبياً).
فعملية الاستمطار تشبه من وجه عملية التلقيح (الصناعي) للمرأة حيث التدخل البشري المحدود والمسموح به شرعاً وأخلاقاً وطفل الأنابيب أو طفل التلقيح الصناعي لا يُسمى طفلاً صناعياً ويجب أيضاً ألا نسمي الاستمطار مطراً صناعياً فالخالق هو الله وفعل الإنسان سبب.
لذا فالاستمطار ـ والله أعلم ـ عمل مشروع (إذا ثبتت جدواه الاقتصادية) وليس فيه محادة للخالق عز وجل في علاه، ومن أجل بقاء الحياة في ظروف مناخية صحراوية قاسية وتوفير الماء للبلاد والعباد فنحن مأمورون شرعاً بفعل الأسباب الحسية كحفر الآبار الارتوازية، وإقامة السدود في المناطق الجبلية، وتشييد القنوات المائية، وتحلية مياه البحر الملحية، وأخيراً تفعيل تقنية الاستمطار لزيادة الكمية.

محرضات السحب
إن آلية تشكل ونمو السحب الدافئة تختلف عن آلية تشكل ونمو السحب الباردة، لذلك فإن هناك اختلافاً في مواد البذر المستخدمة لإدرار حمولة السحابة من مكوناتها منها تعمد تقنية الاستمطار إلى التفريق بين السحب الباردة والسحب الدافئة فلكل نوع طريقة ومسار على النحو التالي:
أولاً: في حالة السحب الباردة تستخدم مادتان الأولى حبيبات ثاني أكسيد الكربون الجاف(الثلج الجاف) Dry ice والثاني أيود (آوديد) الفضة Silver iodide وهو أفضل المواد الكيميائية في تلقيح السحب الباردة وهو المستخدم في المشروع السعودي للاستمطار. “ويكفي غرام واحد من يوديد الفضة لصناعة عشرة مليارات جزيء بقطر معدله أقل من ميكرومتر (مايكرون = واحد بالألف من الملم). وحول هذا الجزيء تتجمد المياه بسرعة لتتساقط بلورات الجليد الصغيرة وفي طريقها إلى الأسفل تجرف معها قطرات دقيقة إضافية وتتحول إلى كرة ثلج بقطر 1-2 ملم تصبح قطرات مطر عند اصطدامها بطبقات جوية أكثر سخونة”2. 
ثانياً: في حالة السحب الدافئة يستخدم ملح الطعام ليشكل نويات تتكاثف حولها قطرات الماء عن طريق نثر دقائق الملح في الهواء المتصاعد إلى جرم السحابة.

تاريخ تقنية الاستمطار
قد يعتقد بعض الناس أن تقنية الاستمطار حديثة وجديدة بل أنها قديمة نسبياً، ففي فرنسا وسويسرا على سبيل المثال أجريت تجارب أولية للتأثير على الغيوم باستخدام قذائف المدفعية وذلك في أوائل القرن الماضي. وفي عام 1931م ولأول مرة في التاريخ تمكنت نيوزيلندا من إثارة المطر صناعياً عندما قذفت حبيبات ثاني أكسيد الكربون الصلب في الجزء المحتوي على مياه فوق مبردة من الغيوم بواسطة الطائرة، وفي عام 1946م تمت واحدة من أوائل التجارب العلمية في التأثير على السحب العالية البرودة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

الجفاف في السعودية
قدرنا نحن العرب أن نكون في موقع فلكي يصنف مناخياً أنه مداري جاف طول العام، وأمطاره قليلة شحيحة تسقط شتاءً بشكل متقطع وغير منتظم عدا منطقة المرتفعات الجنوبية فهي طول العام، ويصل متوسط التهطال إلى حوالي 100ملم سنوياً فقط يتبخر جله ويتسرب في جوف الأرض بعضه. هذه الظروف الجافة وأنشطة الناس المختلفة وخاصة الزراعية أثرت على مستوى المياه الجوفية العميقة والذي يتعرض إلى استنزاف غير مسبوق وبصورة غير مسؤولة حتى جفت العيون التاريخية وبعض الآبار الارتوازية والبحيرات السطحية فأصبحت أثراً بعد عين.
لذا عمدت حكومة المملكة إلى خيارات عدة لمواجهة الأزمة، ومنها الاتجاه إلى تقنية تحلية المياه من البحر لتعزز نقص المياه والطلب المتزايد على الماء، ومنها تقنية الاستمطار والذي من فوائده:
1. مضاعفة كمية المطر بشكل نسبي.
2. يساعد نسبياً على الحد من الجفاف.
3. زيادة الجريان السطحي.
4. زيادة المخزون المائي في السدود.
5. تغذية الخزانات المائية الجوفية.
6. يحسّن الميزانية المائية.
7. الحد من التلوث الجوي.
8. مكافحة التصحر والجفاف.
9. وأخيراً تستخدم تقنية الاستمطار في بعض دول العالم من أجل كبح جماح الأعاصير والتقليل من حدة موجات البرد والصقيع وأحياناً من أجل إطفاء حرائق الغابات الكبرى فسبحان من علم الإنسان ما لم يكن يعلم.

الاستمطار في السعودية
تقنية الاستمطار طبقت في دول مختلفة منها: روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وليبيا والأردن وسوريا والمغرب العربي والإمارات وأخيراً الصين وهي أكبر دولة عاملة في هذا المجال.
وتعد تجربة الاستمطار في المملكة العربية السعودية واحدة من عدة تجارب قامت في دول عربية مختلفة، حيث أجريت لأول مرة عام 1988م في منطقة عسير بينما التجربة الثانية بدأت عام 2006م ولتغطي ثلاث مناطق وسط المملكة (الرياض والقصيم وحائل).
الأستاذ الدكتور عبدالله المسند

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق