بيئة

تشجير الأحياء السكنية.. ضرورة أم ترف؟؟

تزايد الاهتمام مؤخراً بالدور البيئي للأشجار داخل المدن وفي الأحياء، فهي خط الدفاع الأول والأهم لتقليل التلوث بأنواعه المختلفة، مع الأُخذ في الاعتبار دور الأشجار في زيادة الأكسجين وتقليل الملوثات والضوضاء، وتقليل درجة الحرارة، وبالتالي تقليل استهلاك الطاقة إلى غير ذلك من الفوائد البيئية.
وتوفر أشجار الشوارع المأوى والغذاء لعدد من الكائنات الحية، كالطيور بأنواعها وبعض الثدييات، وهذا ما يزيد التنوع الحيوي وينميه، وتوفر الأشجار المزهرة الغذاء للنحل، كما يمكن استخدام أفرع الأشجار عند تقليمها كوقود، في حين تستخدم الأفرع الصغيرة والأوراق المتساقطة لصناعة الأسمدة أو الكومبوست، هذا عدا الاستفادة من ثمار بعض الأشجار أو أوراقها في تغذية الإنسان أو في تجهيز بعض المستحضرات الطبية.

فوائد
ذكرت بعض الأبحاث أن الأماكن الطبيعية ذات الكثافة الشجرية لها دور كبير في تقليل تلوث الهواء، وأكدت على أن وجود مساحات خضراء في المستشفيات تجعل المرضى المنومين الذين تتميز غرفهم بإطلالة على تلك المساحات الخضراء يتماثلون للشفاء بوقت أسرع، كما تقلل الأشجار الظليلة في الشوارع من التعرض للأشعة فوق البنفسجية التي تعد مسبباً مهماً لثلاثة أنواع من سرطان الجلد.
ووجود عدة صفوف من الأشجار كفيلة بتقليل التلوث الضوضائي الذي يسبب آثاراً صحية ونفسية ضارة، وإضفاء الراحة والسكينة وتقليل الإجهاد والتوتر، كما تحجب الأشجار المناظر غير المرغوبة، ولقد رابط باحثون أستراليون بين انخفاض الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وبين زيادة الرقعة الخضراء في المدن، كما وجد باحثون يابانيون أن زيادة المساحة الخضراء وكثافة أشجار الشوارع كان لها تأثير إيجابي في إطالة عمر السكان القاطنين بالقرب من تلك المواقع.
وتعد الأشجار مصدر إلهام للكتَّاب والأدباء والشعراء والرسامين والفنانين، كما أن لبعض الأشجار قيمة رمزية ومكانة في الموروث الشعبي، ويعد وجود الأشجار بكثرة داخل وخارج المنازل والمدارس محفزا للأطفال للاهتمام بالأشجار والبيئة بشكل عام عندما تتقدم بهم السن، حيث تعودوا على وجودها منذ الصغر ما يسهم في تكوين جيل صديق للبيئة.
ويشجع وجود الأشجار الظليلة في الشوارع الناس على ممارسة المشي عوضاً عن استخدام وسائل النقل، وهذا يفسر ما توصل إليه باحثون من أن سكان المناطق المشجرة أكثر صحة وأقل سمنة، وتطيل الأشجار عمر المباني، حيث تحميها من المناخ المتطرف والعواصف والأمطار.
تشكل الشوارع الفرعية (شوارع الأحياء) نسبة كبيرة من إجمالي المساحة الكلية في المدن والقرى، وبالتالي فإن زراعة الأشجار فيها يضيف نسبة لا يستهان بها من الخضرة إلى إجمالي الغطاء النباتي.
وبطبيعة الحال توجد بعض السلبيات للأشجار التي تزرع أمام المنازل والتي قد يكون أهمها، تأثير بعض أنواع الأشجار على البنية التحتية للمباني والأرصفة، كما تتصف بعض الأشجار بكثرة تساقط أوراقها مما يزيد المخلفات في المباني والشوارع وعلى السيارات التي تقف تحتها، كما يعاني البعض من حساسية لحبوب اللقاح التي تنتجها أزهار بعض أنواع الأشجار في مواسم معينة.
وبالنظر إلى المميزات البيئية والاقتصادية لأشجار الشوارع، يتضح جلياً أهمية تكثيف زراعة الأشجار في كل مكان، وعدم إغفال الشوارع الفرعية خصوصا في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، ولهذا كان لزاما أن يحظى تشجير الشوارع الفرعية بالاهتمام والعناية لتقليل مخاطر التلوث والارتفاع المتزايد في درجات الحرارة.
حيث إن آلاف الشوارع الفرعية في مدن المملكة خالية تماماً من الأشجار وهذا يؤدي إلى مزيد من التلوث وارتفاع الحرارة واستهلاك الطاقة.


مصاعب وحلول
توجد بعض المعوقات التي تحد من التوسع في تشجير شوارع الأحياء، والتي من أهمها إغفال الأمانات والبلديات لهذا الجانب رغم أهميته، واقتصار دورها في التشجير على الشوارع الرئيسية والحدائق، وترك أمر تشجير الشوارع الفرعية لاجتهادات ورغبات المواطنين، وكذلك لامبالاة كثير من المواطنين وتدني وعيهم البيئي بأهمية الأشجار وفوائدها الصحية والبيئية لهم ولسكان الحي والمدينة التي يقطنونها.
كما يشكل الاختيار غير الموفق لأنواع الأشجار التي تزرع أمام المنازل وطريقة الزراعة عائقاً آخر مهمّا في طريق التوسع في تشجير الشوارع الفرعية.
وتحتل المدارس بأنواعها والمساجد وبعض المباني التابعة للقطاع الحكومي أو الخاص مساحاتٍ كبيرة من شوارع الأحياء، وتكاد تخلو هذه المباني من الأشجار في باحاتها وأمام أسوارها الخارجية، نظراً لعدم اهتمام القائمين على تلك المباني وغياب الوعي البيئي لديهم.
ويتحجج البعض بعدم توفر المياه الكافية لري الأشجار أو بارتفاع تسعيرة المياه مؤخرا مما يمنعهم من زراعة الأشجار أمام منازلهم، ويمكن التغلب على هذه العقبة بالتوسع في استخدام المياه الرمادية (المياه المنزلية منخفضة التلوث الناتجة من الاستحمام والوضوء والغسيل وغير ذلك)، ومياه غسيل الأحواش وغير ذلك.
بعض النباتات المستخدمة في التشجير هدر للمياه دون قيمة بيئية تذكر

ونظراً للميزات العديدة التي تضيفها أشجار الشوارع للبيئة والإنسان، ونظراً كذلك لطبيعة المملكة والمناخ الصحراوي الذي يسود أغلب مناطقها، والذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة صيفاً وشدة البرودة شتاءً، ما يتطلب استهلاك معدلاتٍ عالية من الطاقة في التبريد والتدفئة، لهذا كله فإن تكثيف زراعة الأشجار في الشوارع الفرعية أصبح ضرورة وليس ترفا،

وحتى يتم ذلك وينفذ بطريقة فعالة لابد من إيجاد لوائح تنظم هذا الموضوع وتتحدد من خلالها مسؤولية كل من المواطن والبلدية والجهة المعنية بالبيئة، كما يجب أن تسهم شركة الكهرباء في هذا النشاط لتنعم الأحياء السكنية والمدن بالبيئة الصحية وتوفير قدر كبير من الطاقة.

وتشكل المدارس والمساجد مساحات كبيرة من الأحياء السكنية وتكاد تخلو من مظاهر الخضرة، وتشجيرها سيعود بالفائدة على روادها وعلى الأحياء التي توجد فيها.
أ.د. عبد الرحمن عبد الله الصقير

  • كلية الزراعة والطب البيطري
  • عضو لجنة أصدقاء البيئة بمنطقة القصيم
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق